ألف ميجاوات.. رقم يكشف كيف تغيرت خريطة الكهرباء في مصر كتب الدكتور برهان الدين محمد

40 ألف ميجاوات.. رقم يكشف كيف تغيرت خريطة الكهرباء في مصر
كتب الدكتور برهان الدين محم

هناك أرقام لا تبدو مهمة للوهلة الأولى، لكنها عندما نضعها في سياقها الكامل تصبح قادرة على رواية قصة بلد بأكمله، ومن بين هذه الأرقام وصول أحمال الشبكة القومية للكهرباء إلى نحو 40 ألفًا و200 ميجاوات، وهو مستوى قياسي يعكس حجمًا مختلفًا تمامًا من الطلب على الطاقة مقارنة بما كانت عليه مصر قبل سنوات.

قبل أكثر من عقد، كانت أزمة الكهرباء واحدة من أكثر الملفات التي أثرت في حياة المصريين انقطاعات متكررة، وأزمات في توفير الطاقة، ومصانع ومنشآت تعاني من عدم انتظام التيار، ومواطن ينتظر عودة الكهرباء حتى يستطيع استكمال يومه بشكل طبيعي.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة من زاوية أساسية وهي قدرة الشبكة على التعامل مع أحمال تتجاوز حاجز الـ40 ألف ميجاوات مع الحفاظ على استقرار الخدمة بدرجة كبيرة.

وهنا تظهر أهمية الرقم فزيادة الأحمال بهذا الشكل لا تعني فقط أن المصريين أصبحوا يستهلكون كهرباء أكثر، لكنها تعكس أيضًا اتساع حجم المدن والمشروعات والمصانع والمنشآت والخدمات، إلى جانب الزيادة الطبيعية في عدد السكان وارتفاع الاعتماد على الأجهزة الكهربائية ومختلف مصادر الطاقة داخل المنازل وأماكن العمل ،لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب الآخر من المعادلة، وهو تكلفة الكهرباء.

ارتفاع أسعار الخدمات يمثل تحديًا حقيقيًا بالنسبة للمواطن، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات اليومية للأسرة المصرية ومن الطبيعي أن يشعر المواطن بثقل أي زيادة في فاتورة الكهرباء، حتى لو كانت الخدمة نفسها أكثر استقرارًا وهنا يجب أن يكون النقاش أكثر توازنًا.

المواطن لا يريد كهرباء مستقرة فقط، كما أنه لا يريد سعرًا منخفضًا على حساب جودة الخدمة ما يريده ببساطة هو خدمة جيدة ومستقرة بسعر يستطيع تحمله، وفي الوقت نفسه يريد أن يرى دخله يتحسن بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف الحياة وهذا هو التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة.

فالاستثمار في الكهرباء لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إنفاق على محطات وشبكات، وإنما باعتباره استثمارًا في الاقتصاد نفسه الكهرباء المستقرة تعني مصنعًا يعمل دون توقف، ومحلًا يستطيع الاستمرار، ومستشفى ومؤسسة خدمية لديها مصدر طاقة مستقر، ومشروعات جديدة تستطيع الاعتماد على شبكة قادرة على استيعاب احتياجاتها ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الكهرباء والاقتصاد باعتبارها علاقة متبادلة ،كلما تحسنت البنية الأساسية زادت قدرة الاقتصاد على النمو، وكلما نما الاقتصاد وتحسنت دخول المواطنين أصبحت تكلفة الخدمات الأساسية أكثر قدرة على التحمل.

الطريق ليس قصيرًا، ولا ينبغي أن تتحول هذه الفكرة إلى مبرر لتجاهل معاناة المواطن مع الأسعار والمطلوب هو أن يشعر المواطن أن ما يدفعه مقابل الخدمة يعود عليه في صورة جودة واستقرار، وأن تحسن البنية الأساسية يوازيه تحسن حقيقي في مستوى الدخل وفرص العمل والخدمات ،أما استخدام الظروف الاقتصادية في صناعة حالة دائمة من الغضب أو التحريض، فهو أمر لا يساعد على حل المشكلة وفي الوقت نفسه، فإن أفضل مواجهة لأي خطاب سلبي ليست بالشعارات، وإنما بالنتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.

المواطن المصري الذي تحمل سنوات صعبة يستحق أن يرى ثمار ما تحمل ويستحق أن يعرف إلى أين تذهب الاستثمارات، وما الذي تحقق، وما الذي لا يزال يحتاج إلى تطوير، والأهم أن يشعر بأن تحسن الخدمات ليس هدفًا منفصلًا عن تحسين حياته ودخله.

الوصول إلى أحمال تتجاوز 40 ألف ميجاوات هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة قطاع شديد الأهمية، لكنه في الوقت نفسه رسالة بأن التحدي القادم أكبر فإذا كانت مصر قد انتقلت من أزمة انقطاع الكهرباء إلى مرحلة التعامل مع أحمال قياسية مع استقرار الشبكة، فإن الخطوة الأهم الآن هي الانتقال من استقرار الخدمة إلى بناء منظومة طاقة أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على دعم الاقتصاد.

المعادلة في النهاية بسيطة كهرباء مستقرة، اقتصاد أقوى، إنتاج أكبر، ودخل أفضل للمواطن وعندما تتحقق هذه المعادلة، لن يكون المواطن مضطرًا للاختيار بين جودة الخدمة وقدرته على دفع تكلفتها، بل سيكون قادرًا على الحصول على الاثنين معًا.

وهنا فقط يمكن القول إن ما تم إنفاقه على تطوير البنية الأساسية لم يكن مجرد مواجهة لأزمة، وإنما كان استثمارًا لمستقبل بلد كامل.

عن yaser.mohamed171170

شاهد أيضاً

والمرء ليس بصادق في قوله حتى يؤيد قوله بفعاله

Stay focused and remember we design the best WordPress News and Magazine Themes. It’s the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *